ابن عربي
66
فصوص الحكم
ليس بغريب أن تستعمل في لغة وحدة الوجود . والمراد بالحمد والعبادة أن كلًا من الحق والخلق في خدمة الآخر وطاعته والخدمة والطاعة أخصُّ صفات العبادة . كلٌ من الحق والخلق يخدم الآخر ويطيعه : فالحق يفيض الوجود على الخلق ، والخلق يُظهِرُ للعيان كمالات الحق : والخلق يطيع الحق فيما يأمره به ، والحق يطيع الخلق بمنحه الوجود الخاص الذي تطلبه عين الموجود . وقوله : « ففي حالٍ أُقِرُّ به » إلخ . . أي في حال الجمع التي يشعر فيها الصوفي بوحدة الحق والخلق ويفنى عن نفسه وعن كل ما سوى الله ، يقرّ بالحق على أنه وحده هو الموجود . فإذا ما صار إلى حال الصحو وهي حال الفرق وأدرك أعيان الموجودات أنكر أنها هي الحق : وهي في واقع الأمر ليست الحق وإنما هي مجالٍ ومظاهر له . هذا إذا فهمنا « الحال » بمعنى حال الفناء أو حال الجمع : وبذلك تكون الوحدة المشار إليها « وحدة الشهود » لا وحدة الوجود . ولكن يظهر أن المراد بالحال مطلق حال لا حال معينة ، وبذلك يصبح معنى البيت : « ففي حال من الأحوال أقرّ بوجود الحق في كل شيء ولكني أعوذ فأنكر أنه هو أعيان الموجودات الخارجية » . وهذا هو الأقرب إلى المراد والأدنى إلى أسلوب المؤلف الذي يحلو له تكرار الكلمات المتناقضة التي يوردها على الحقيقة الوجودية الواحدة باعتبارين مختلفين : من أنها حق وخلق وواحد وكثرة : معروفة مجهولة ، غنية مفتقرة ، حادثة قديمة إلخ . . « فيعرفني وأنكره ، وأعرفه فأشهده » أي فيعرفني الحق في جميع أحوالي ومقاماتي لأنه ذاتي ، وأنكر وجوده في أعيان الموجودات الحادثة على أنها هي هو ، ولكني أعرفه معرفة ذوقية كشفية وأعلم أنه عين كل شيء فأشهده في كل شيء جمعاً وتفصيلًا . « لذاك الحق أوجدني ، فأعلمه فأوجده » : أي لهذه الغاية - وهي أن الله يُعْرَف وتعرف كمالاته الصفاتية والأسمائية أوجد الله العالم بما فيه الإنسان : وبهذا ورد الخبر القائل : « كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعْرَف فخلقت الخلق